محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عليه وسلم جلس يوما ، فذكر الناس ، ثم قام ولم يزدهم على التخويف ، فقال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة ، منهم علي بن أبي طالب ، وعثمان بن مظعون : ما حقنا إن لم نحدث عملا فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم ، فنحن نحرم . فحرم بعضهم أكل اللحم والودك وأن يأكل بالنهار ، وحرم بعضهم النوم ، وحرم بعضهم النساء ، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء ، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه ، فأتت امرأته عثمان بن مظعون عائشة وكان يقال لها : الحولاء ، فقالت لها عائشة ومن عندها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون ، لا تمتشطين ولا تطيبين ؟ فقالت : وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع علي زوجي ولا رفع عني ثوبا منذ كذا وكذا فجعلن يضحكن من كلامها ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يضحكن ، فقال : وما يضحككن ؟ " قالت : يا رسول الله ، الحولاء سألتها عن أمرها ، فقالت : ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا . فأرسل إليه فدعاه ، فقال : " ما بالك يا عثمان ؟ قال : أني تركته لله لكي أتخلى للعبادة . وقص عليه أمره ، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك " فقال : يا رسول الله إني صائم . قال : " أفطر " فأفطر وأتى أهله . فرجعت الحولاء إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيبت . فضحكت عائشة فقالت : ما بالك يا حولاء ؟ فقالت : إنه أتاها أمس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم ؟ ألا إني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " . فنزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا يقول لعثمان : لا تجب نفسك ، فإن هذا هو الاعتداء وأمرهم أن يكفروا أيمانهم ، فقال : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ تحريم ما أحل الله قاله : هم رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : نقطع مذاكيرنا ، ونترك شهوات الدنيا . ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليهم فذكر ذلك لهم . فقالوا : نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء ، فمن أخذ بسنتي فهو مني ، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني " . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وذلك أن رجالا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم منهم عثمان بن مظعون حرموا النساء واللحم على أنفسهم ، وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكي عمة تنقطع الشهوة ويتفرغوا لعبادة ربهم . فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " ما أردتم ؟ " فقالوا : أردنا أن تنقطع الشهوة عنا ونتفرغ لعبادة ربنا ونلهو عن النساء . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لم أومر بذلك ، ولكني أمرت في ديني أن أتزوج النساء " . فقالوا : نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأنزل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ إلى قوله : الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ، ويلبسوا المسوح ، فنزلت هذه الآية إلى قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ قال ابن جريج عن عكرمة : إن عثمان بن مظعون ، وعلي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، والمقداد بن الأسود ، وسالما مولى أبي حذيمة في أصحاب تبتلوا ، فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس ، إلا ما أكل وليس أهل السياحة من بني إسرائيل ، وهموا بالاختصاء ، واجمعوا لقيام الليل وصيام النهار ، فنزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ